السيد مهدي الرجائي الموسوي

220

المحدثون من آل أبي طالب ( ع )

اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ . فقال همام بن عبادة ، وكان عابداً مجتهداً : أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت ، وخصّكم وحباكم وفضّلكم تفضيلًا إلّا أنبأتنا بصفة شيعتكم ، فقال : لا تقسم ، فسانبّئكم جميعاً . وأخذ بيد همام فدخل المسجد ، فسبّح ركعتين وأوجزهما وأكملهما ، ثمّ جلس وأقبل علينا ، وحفّ القوم به ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلّى على النبي صلى الله عليه وآله ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإن اللّه جلّ شأنه ، وتقدّست أسماؤه ، خلق خلقه فألزمهم عبادته ، وكلّفهم طاعته ، وقسّم بينهم معايشهم ، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم ، ووصفهم في الدين بحيث وصفهم ، وهو في ذلك غني عنهم ، لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضرّه معصية من عصاه منهم ، لكنّه تعالى علم قصورهم عمّا يصلح عليه شؤونهم ، ويستقيم به أودهم ، وهم في عاجلهم وآجلهم ، فأدّبهم بإذنه في أمره ونهيه ، فأمرهم تخييراً ، وكلّفهم يسيراً ، وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته بين الموجف من أنامه إلى مرضاته ومحبّته ، وبين المبطئ عنها ، والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته ، فذلك قول اللّه عزّوجلّ ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) . ثمّ وضع أمير المؤمنين عليه السلام يده على منكب همام بن عبادة ، فقال : ألا من سأل من شيعة أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم في كتابه مع نبيّه تطهيراً ، فهم العارفون باللّه ، العاملون بأمر اللّه ، أهل الفضائل والفواضل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، وبخعوا للّه بطاعته ، وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضّين أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذين نزلت منهم في الرخاء ، رضىً عن اللّه بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى لقاء اللّه والثواب ، خوفاً من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن رآها ، فهم على أرائكها متّكئون ، وهم والنار كمن دخلها ، فهم فيها يعذّبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، ومعرفتهم في الإسلام عظيمة ، صبروا أيّاماً قليلة ، فأعقبتهم راحة طويلة ، وتجارة مربحة ، يسّرها لهم ربّ كريم ، أناس أكياس ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها .